شارك المقال

كيف يربكنا يناير جسديًا ونفسيًا؟
هذا المقال عن أجسادنا التي تحاول مواكبة إيقاع السنة الجديدة بين ضغط العمل، والأهداف المثالية غير الواقعية.

كيف يربكنا يناير جسديًا ونفسيًا؟
جسد الموظّف في يناير
في أوّل يوم عمل بعد الإجازة، يرنّ المنبّه وكأنه إنذار طوارئ، الجسد ثقيل، والعين تفاوض على "خمس دقائق زيادة"، والتقويم يذكّرك: سنة جديدة، أهداف جديدة، ورسائل بريد متراكمة من العام الماضي. في الطريق للعمل، تحاول إقناع نفسك: "عادي، كلنا نحس كذا بعد الإجازة.. مجرد كسل." لكن مع مرور الأيام، تكتشف أنّ المسألة أعمق من "كسل بسيط". صداع شبه يومي، نوم متقلّب، تركيز يتبخّر بعد أول ساعتين، وإحساس أن عمرك زاد خمس سنوات في أسبوع واحد، وكأن جسدك يقول: "الإجازة كانت نفَسًا عميقًا، والآن الواقع هبوط مفاجئ."
هذا المقال عن أجسادنا التي تحاول مواكبة إيقاع "السنة الجديدة" بين ضغط العمل، والأهداف المثالية غير الواقعية.
ماذا يحدث للجسد بعد الإجازة؟
علم النفس يسمّي الحالة التي يمرّ بها كثير من الناس بعد العودة من الإجازة بـ "ما بعد الإجازة" أو الـ Post-Vacation Blues، وهي حالة مؤقتة تترافق مع مزاج منخفض، تعب، وصعوبة في الرجوع للروتين، وقلة حماس تجاه العمل.
الفكرة بسيطة، والسبب أن خلال الإجازة حياتك اليومية تتغيّر وتصبح عبارة عن نوم واستيقاظ متأخر، طعام مختلف، حركة غير منتظمة، ومساحة أكبر لوقتك الشخصي. بعد الإجازة يحصل "اصطدام" بين حرّية نسبية وجدول مضبوط، ينعكس مباشرةً على الجسد والذهن.
هذا التغيّر الحاد في النوم والروتين اليومي يُربك الساعة البيولوجية، ويؤثر في المزاج، والطاقة، والاستعداد الذهني لليوم. الدراسات تشير إلى أن اضطراب إيقاع النوم واليقظة يرتبط بزيادة مشاكل المزاج والقلق، وصعوبة تنظيم المشاعر. فجأةً، يجد الجسد نفسه مطالبًا بالاستيقاظ خارج إيقاعه المعتاد، وبالتركيز لساعات طويلة، والتعامل مع ضغوط اجتماعية ومهنية في نفس اليوم، بينما دماغه لم ينتهِ بعد من العطلة أو السفر.
نوم أقل، تركيز أضعف، وجسد يتذمّر بصمت
كثير من الموظفين يحاولون حلّ شعور الثقل في يناير بزيادة القهوة، وتقليل ساعات النوم أكثر، ووعد داخلي: "كم يوم وأتعود." لكن العلم يقول شيئًا مختلفًا! الحرمان من النوم يقلّل التركيز وجودة القرارات، ويرتبط بزيادة التوتر وصعوبة تنظيم المشاعر، وارتفاع احتمالية القلق والاكتئاب على المدى الطويل.
بمعنى آخر أن الجسد الذي لم يأخذ حقّه من النوم، سيدفع فاتورة أعلى في المزاج والصحة، حتى لو حاولنا تغطية ذلك بالقهوة والحماس. والمفارقة أن كثيرًا من الناس في بداية السنة يرفعون سقف التوقعات من أنفسهم بشكل مبالغ فيه: "لازم أبدأ دايت، وأتمرّن، وأنجز في الشغل، وأرتّب كل حياتي.. هذا الشهر." هذا التفكير المثالي يضاعف الضغط على الجسد، ويحوّل يناير إلى ماراثون يُركض فيه بجسد لم يستعد توازنه بعد.
وفي الخلفية، تقف حقيقة صادمة تقول إن العمل لساعات طويلة جدًا وبشكل مستمر يزيد من مخاطر أمراض القلب والجلطات الدماغية بشكل ملحوظ، بحسب تقديرات مشتركة لـ WHO و ILO حول من يعملون 55 ساعة أسبوعيًا أو أكثر، وبالتالي ما نعتبره أحيانًا "ضريبة نجاح" قد يكون في الحقيقة استنزافًا صحيًا حقيقيًا إذا أصبح نمطًا دائمًا.
ليس كسلًا ولا دلالًا
من المهم تذكّر أن الشعور بالتعب في أول أسبوعين بعد الإجازة ليس علامة ضعف شخصية أو "دلال موظّفين"، بل حالة تتحسّن غالبًا مع ضبط النوم وتنظيم العودة وتقليل الضغط الذاتي، لكن لو استمرّ الإحساس بالإنهاك، والضيقة، وفقدان الحماس لفترة طويلة، فهنا قد يكون الوقت مناسبًا لمراجعة أعمق وطرح أسئلة مثل: هل نمط العمل نفسه منهك؟ هل يوجد احتراق وظيفي أو ضغط نفسي مزمن؟ أو هل نحتاج دعمًا من مختص أو تغييرًا في طريقة إدارة العمل؟
التعامل مع جسد الموظّف في يناير على أنه مجرد "كسل موسم" يجعلنا نفوّت فرصة أن نعيد ترتيب العلاقة بين طموحنا، ونمط عملنا، وصحتنا الجسدية والنفسية.
كيف ترجع لجسدك بهدوء؟
لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع، لكن هناك مبادئ بسيطة تساعد كثيرًا على تخفيف صدمة العودة للعمل، خاصة في أوّل شهر.
1. رجعة تدريجية بدل قفزة مفاجئة
بدلًا من محاولاتك لتعويض كل شيء في أول أسبوع، جرّب تقسيم المهام الكبيرة إلى أجزاء أصغر، ووضع أهدافًا أسبوعية واقعية، لا قائمة أمنيات لسنة كاملة، وأخيرًا اسمح لنفسك بفكرة "يكفي أن أبدأ، لا أن أنهي كل شيء."
2. حماية النوم كأولوية حقيقية
أول ما نضحّي به في الفترات الصعبة أو الانتقالية التي نواجهها في حياتنا هو النوم، متناسيين أن تأثير النوم ينعكس مباشرة على التركيز، والمزاج، والصحة العامة. حاول تثبيت وقت النوم والاستيقاظ واجعله متوافقًا مع الروتين الذي يناسبك، وإذا شعرت أن جسدك "يطالب بدَيْن قديم من السهر"، فكّر أن تهديه 3-4 ليالٍ متتالية من نوم "محترم" بدلًا من إصرارك على مقاومته.
3. فواصل صغيرة وسط اليوم تحميك من التلاشي
ثلاث دقائق تبتعد فيها عن الشاشة.. تمشي قليلًا.. تشرب مشروبك المفضّل.. وتطلّ من النافذة.
قد تبدو تفاصيل بسيطة، لكن تراكمها خلال اليوم يُقلّل من شعور الانفجار في آخر اليوم، لأن جسدك لا يحتاج إجازة جديدة كل أسبوع، بقدر ما يحتاج هواءً صغيرًا يتسلل بين المهام.
4. مراجعة التوقعات بدل جلد الذات
لو لاحظت أن شعور الثقل مستمر، وأن نظرتك لنفسك أصبحت قاسية، اسأل نفسك: هل أنا غاضب من جسدي؟ أم من ضغط لا أملك تغييره بسهولة؟ أعد تعريف "البداية الجيدة"، والتي تتمحور في كونها بداية مثالية، بل بداية مستمرّة لا تحرقك في أول شهر. لا بأس من الحديث مع شخص تثق به إن احتجت، أو مع مختص يفكّك لك الصورة، بدلًا من أن تبقى الرسالة صامتة داخل جسدك.
كلمة من وتد
نرى في وتد أن الموظف إنسان يقوم عليه بيت، وعائلة، وعمل، وفي النهاية يقوم عليه جسده هو أولًا، ونؤمن أن صحتك ليست خسارة جانبية في طريق العمل، وأن جسدك الذي تعتمد عليه كل يوم يستحق أن تحميه من الاحتراق الصامت. إن شعرت في يناير بتعب مستمر، نوم مضطرب، أو مزاج أثقل من المعتاد، فلا تتعامل مع جسدك كعدوّ أو كمقصّر، بل كشريك يحاول أن يقول: "أنا معك هذا العام.. فقط لا تتركني في آخر الصف."
أحيانًا أفضل طريقة لاحترام جسدك في بداية السنة ليست الضغط عليه، بل التوقف قليلًا لفهمه. مراجعة بسيطة مع طبيب، سواء عن بُعد أو حضوريًا، أو فحوصات دورية قد تكون خطوة هادئة تساعدك تبدأ العام وأنت مطمئن، لا متجاهلًا إشارات التعب.
نؤمن أن العناية بالنفس تبدأ من تسهيل الطريق إليها، لذلك نعمل على تقليل عبء المشاوير والانتظار والتنسيق الذي يستهلك طاقتك، عبر إتاحة الاستشارات الطبية عن بُعد، وتنظيم الزيارات المنزلية، وخيارات رعاية يمكن طلبها بسهولة عندما تحتاجها، ليكون اهتمامك بصحتك جزءًا مريحًا من يومك، لا عبئًا إضافيًا عليه.
شارك المقال
مقالات تخفّف الحيرة وتسهّل القرار

يوم التأسيس: من حماية الطريق إلى الرعاية الحديثة

صحتك في رمضان من مشروع 30 يوم إلى عادة واحدة

التعافي النفسي بعد الشفاء من السرطان
