Article category

التعافي النفسي بعد الشفاء من السرطان

6 دقائق قراءة
٢ فبراير ٢٠٢٦

هذا المقال عن تلك الفترة التي قد يراها البعض "راحة بعد المعركة"، بينما يعيشها المتعافي أحيانًا كحالة مُعلّقة بين الخوف والامتنان؛ بين محاولة العودة للحياة السابقة، وعدم القدرة على العودة كما كانت.

التعافي النفسي بعد الشفاء من السرطان

بعد الشفاء من السرطان، يسمع المتعافي في غرفة الانتظار جملة كان ينتظرها منذ شهور: “التحاليل أفضل.. نستطيع القول إنك الآن في مرحلة تعافٍ.” تتهجّى العائلة الخبر بدمعةٍ وبابتسامة، بينما في الداخل شيءٌ لا يزال متأخرًا عن الفرح. في الظاهر، هذه نهاية فصل قاسٍ وبداية حياة جديدة، لكن بالنسبة لكثير من مرضى السرطان، لا تنتهي القصة عند خروجهم من المستشفى أو توقف العلاج الكيماوي أو الإشعاعي؛ بل تبدأ مرحلة مختلفة تمامًا: مرحلة التعافي، بما تحمله من أسئلة، وقلق، ووِحدة من نوع جديد.

ماذا يحدث نفسيًا بعد الشفاء من السرطان؟

بعد انتهاء العلاج، يهدأ الضجيج الطبي لكن الضجيج الداخلي قد يبدأ، ويتوقع المتعافي ومن حوله أن ينتهي معه كل شيء: الخوف، القلق، التعب، لكن الواقع غالبًا أكثر تعقيدًا. كثير من متعافي السرطان يصفون هذه الفترة بمشاعر متداخلة: راحة لأن الجسد خرج من دوامة المواعيد والحقن والآثار الجانبية، قلق من فكرة عودة المرض في أي لحظة “ماذا لو رجع؟ ماذا لو أخطأ الفحص؟”، شعور بالفراغ لأنه لم يعد هناك جدول علاج واضح، ولا مواعيد أسبوعية، وأحيانًا شعور بالذنب “لماذا تعافيت أنا ولم يتعافَ غيري؟” إذا فقد المتعافي أحدًا في نفس الرحلة. الخوف من عودة المرض قد يرافق التعافي فترة طويلة، وأحيانًا يعود بعد سنوات كضيفٍ ثقيل، وهذا لا يعني ضعفًا ولا نقص امتنان، بل أثرٌ مفهوم لتجربة كبيرة مرّت بالجسد والقلب.

ما بين الهوية القديمة والجسد الجديد

السرطان لا يغيّر المختبرات فقط، بل يغيّر صورة الإنسان عن نفسه، فالجسد بعد العلاج قد يحمل آثارًا صعبة: تعب مزمن، اختلاف في الوزن، ندوب جراحية، تساقط شعر أو عودته بملمس مختلف، أو تبدّل في القدرة الجسدية على القيام بمهام كانت عادية في السابق. كل هذا قد ينعكس على صورة المتعافي عن نفسه أمام المرآة، وإحساسه بالثقة في جسده “جسدي أربكني مرة، هل يمكن أن يربكني ثانية؟”، وعلاقاته الاجتماعية والزوجية. لذلك مرحلة التعافي ليست مجرد “رجوع للحياة الطبيعية”، بل محاولة لبناء حياة جديدة: هوية تشبهك، لكنها أكثر انتباهًا، وأكثر رحمة، وأكثر واقعية بعد تجربة قاسية.

ماذا تقول الدراسات عن الدعم النفسي بعد السرطان؟

تشير أبحاث عديدة إلى أن القلق من عودة السرطان (Fear of Cancer Recurrence) من أكثر التحديات النفسية شيوعًا لدى المتعافين، وقد يؤثر في النوم والمزاج وجودة الحياة. وتُظهر الدراسات كذلك أن الدعم النفسي، سواء عبر جلسات فردية مع مختصين، أو مجموعات دعم، أو برامج تأهيل شاملة، يساعد في تقليل القلق والاكتئاب، ويحسّن التكيّف مع الآثار الجانبية طويلة المدى. الخلاصة: بعد "العلاج انتهى" يحتاج المتعافي من يرافقه في المسار، لا أن يُترك في فراغ.

ماذا يمكن أن يفعل المتعافي لنفسه؟

لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع، لكن هناك ممارسات يمكن أن تساعد كثيرًا في جعل مرحلة التعافي أقل وحدة:

  • سمِّ ما تشعر به بدلًا من محاربته
    ليس من الضروري أن تكون سعيدًا طوال الوقت لمجرد أن الأطباء قالوا إن وضعك تحسّن، فمن الطبيعي أن تتأرجح بين الامتنان والخوف، بين الفرح بالتعافي والتعب من آثاره. تسمية المشاعر خطوة أولى: “أنا قَلِق”، “أنا متعب”، “أنا خائف من العودة”، بدلًا من إنكارها.

  • اطلب دعمًا نفسيًا متخصصًا عند الحاجة
    المختص النفسي أو الأخصائي الاجتماعي في مجال الأورام ليس ترفًا، وإذا طال القلق أو أثّر على نومك وحياتك اليومية، فالمساعدة هنا خطوة شجاعة ومفيدة، فإن الحديث مع مختص يمكن أن يساعد في تنظيم الأفكار المخيفة عن المستقبل، التعامل مع الخوف من الفحوصات الدورية والنتائج، واستيعاب التغيّرات في الجسد والعلاقات.

  • امنح جسدك وقتًا ليعيد تعريف طاقته
    لا يُتوقع من جسد مرّ بتجربة علاج طويلة أن يعود فورًا إلى نفس مستوى النشاط القديم، فالاعتراف بمحدودية الطاقة الحالية، ووضع أهداف واقعية في العمل، والبيت، والنشاط اليومي يخفف الضغط الداخلي، كما يمكن تقسيم اليوم إلى فترات قصيرة، مع فواصل راحة واضحة، بدل محاولات إثبات القوة على حساب الجسد.

  • افتح مساحة حديث صادقة مع المقرّبين
    قد يفرح أقرباء المتعافي بانتهاء العلاج ويقولون بحسن نية: “الحمد لله خلص كل شيء، لا تفكر فيه.” لكن المتعافي قد يحتاج إلى أن يتكلم قليلًا عما يخافه، وأن يُسمَع دون مقاطعة أو تهوين. كلمات بسيطة مثل: “أتفهم خوفك”، “من حقك تقلق”، “إحنا معك لو رجع الخوف” تساعد أكثر من محاولة إغلاق الموضوع بسرعة.

  • اقترب من مجموعة دعم إن كانت مناسبة لك
    بعض المتعافين يجدون راحة كبيرة في الحديث مع أشخاص مرّوا بتجارب شبيهة، فهم يفهمون تفاصيل رحلة العلاج، والانتظار، والخوف من الفحوصات، دون الكثير من الشرح. مجموعات الدعم سواء حضورية أو عبر المنصات الرقمية قد تمنحك شعورًا بأن ما تعيشه مفهوم وتقدم خبرات واقعية من أشخاص يفهمون التفاصيل دون شرح طويل.

ماذا يمكن أن يفعل الأهل والأصدقاء؟

وجود المتعافي في مرحلة ما بعد العلاج لا يعني أن دوره الآن فقط “يطمّنكم”. الأهل والأصدقاء يملكون دورًا مهمًا في جعل هذه الفترة أخف عن طريق عدم افتراض أن كل شيء عاد لطبيعته لأن التحاليل أفضل. سؤال المتعافي: “كيف أقدر أكون معك في هذه المرحلة؟” بدل فرض طريقة دعم واحدة. احترام حدود الطاقة: ربما لا يستطيع حضور كل المناسبات الاجتماعية أو استقبال كل الزيارات. التركيز على الحياة اليومية الصغيرة: جلسة هادئة، مشي بسيط، حديث عن شيء لا علاقة له بالمرض، كلها ملامح تعافي حقيقي.

دور المنظومة الصحية في الدعم بعد العلاج

الدعم النفسي ليس مسؤولية المتعافي وأسرته فقط، فقد يمكن للمنظومة الصحية أن تحوّل ما بعد العلاج من فراغ إلى مسار واضح عبر: خطة متابعة مكتوبة، وقناة سهلة للأسئلة عند ظهور أعراض مقلقة، ودمج الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين ضمن فريق الأورام كجزء طبيعي من الخطة عبر تقديم برامج “رعاية ما بعد السرطان” تشمل الجوانب الطبية والنفسية والاجتماعية. وجود هذا التصوّر يجعل المتعافي يشعر أن هناك شبكة تحمله، لا أن عليه أن يبدأ من الصفر بعد آخر جرعة علاج.

كلمة من وتد

نرى في وتد الطبية أن المتعافي كما هو، إنسان نجا، وما زال يتعلّم معنى النجاة. أنت لست "ما حدث لك"، أنت ما تبنيه بعده. ومع الوقت، ستعود تفاصيلك: النوم، العمل، الضحكة، المشي، والفرح الذي يأتي بهدوء. خطوة وراء خطوة، سترجع الحياة ممكنة، وسيصير خوف اليوم مجرد صوتٍ أخف. إذا كنت في مرحلة ما بعد الشفاء من السرطان، فالأمر لا يتطلّب أن تكون “قويًا طوال الوقت”، يكفي أن تسمح لنفسك أن تكون إنسانًا يتقلّب بين القوة والتعب، وبين الأمل والخوف، ومعك من يفهم أن النجاة الحقيقية تحتاج وقتًا، وصحبة طيّبة، ورعاية ترى جسدك وقلبك معًا.

شارك المقال

مقالات تخفّف الحيرة وتسهّل القرار

يوم التأسيس: من حماية الطريق إلى الرعاية الحديثة
٢٢ فبراير ٢٠٢٦

يوم التأسيس: من حماية الطريق إلى الرعاية الحديثة

صحتك في رمضان من مشروع 30 يوم إلى عادة واحدة
٩ فبراير ٢٠٢٦

صحتك في رمضان من مشروع 30 يوم إلى عادة واحدة

متى جسدك يحاول تنبيهك؟
٢٦ يناير ٢٠٢٦

متى جسدك يحاول تنبيهك؟

الزكام العادي مقابل علامات الخطر: دليل هادئ بين البيت والطوارئ
٢٠ يناير ٢٠٢٦

الزكام العادي مقابل علامات الخطر: دليل هادئ بين البيت والطوارئ

كيف أقدر أساعدك؟