Article category

يوم التأسيس: من حماية الطريق إلى الرعاية الحديثة

6 دقائق قراءة
٢٢ فبراير ٢٠٢٦

في هذا المقال نتتبّع كيف تطوّر هذا المعنى عبر مراحل متتابعة، حتى وصلنا إلى منظومات رقمية تربط البيت بالمستشفى، والمنشأة بمقدّم الخدمة في شبكة واحدة.

يوم التأسيس: من حماية الطريق إلى الرعاية الحديثة

يوم التأسيس: من حماية الطريق إلى حماية الرحلة الصحية

حين نحتفل بيوم التأسيس، لا نحتفي بالتاريخ بوصفه حكاية قديمة فحسب، بل بوصفه معنى مستمرًا: أن يكون الإنسان في قلب الأولويات، وأن تكون سلامته جزءًا من مسؤولية الدولة والمجتمع. ومن حماية الطريق وتأمين الحرمين والمشاعر، إلى تنظيم الاستجابة الإسعافية، ثم تطوّر المنظومة الصحية اليوم، يتّضح أن فكرة "الوصول" كانت دائمًا جوهر الحكاية.

من فكرة أهلية إلى نواة منظومة إسعافية

مع تزايد أعداد الحجاج وتنامي احتياجهم للرعاية، برزت الحاجة إلى جهة منظّمة تقدّم الإسعافات الأولية وتتعامل مع نقل المرضى والمصابين في مكة والمدينة. من هنا بدأت تتشكّل فكرة جمعية أهلية للإسعاف، ووفقًا لما ورد في صفحة تاريخ الهيئة في موقع هيئة الهلال الأحمر السعودي، فإن الملك فيصل بن عبد العزيز، حين كان نائبًا في الحجاز، كان من أوائل من طرحوا فكرة “الإسعاف الخيري”، ثم رُفع المقترح إلى الملك عبد العزيز، فاستحسنها، وصدر الأمر السامي عام 1354هـ (1935م) بتشكيل “جمعية الإسعاف الخيري” لتكون نواة مبكرة لخدمة إسعافية حديثة في البلاد.

كان أول مركز للجمعية عند باب الوداع بجوار الحرم في مكة، بإمكانات تتناسب مع مرحلة التأسيس: عدد محدود من سيارات الإسعاف، ومرآب صغير في حارة الباب. واعتمدت الجمعية على مبادرات مجتمعية مبتكرة مثل “مشروع القرش” و“طابع الإسعاف” الذي يُلصَق على المعاملات الرسمية، إلى جانب دعم التجّار والشخصيات البارزة في المجتمع وبعض الاستثمارات الصغيرة. وبين هذه التفاصيل تبدو الفكرة أوضح: منذ البدايات الأولى لبناء الدولة، لم تكن رعاية الإنسان رفاهية لاحقة، بل جزءًا أصيلًا من معنى التأسيس.

من جمعية خيرية إلى هيئة وطنية

مع اتساع دور “الإسعاف الخيري” وتزايد أعداد المستفيدين من خدماته، استمر العمل لسنوات بجهدٍ يجمع بين التطوع والتبرعات والإمكانات المحدودة. ثم جاء التحوّل الأوضح في مسار المنظومة: انتقال هذه النواة الأهلية إلى كيان وطني رسمي أكثر تنظيمًا واتساعًا.

وفي عام 1383هـ صدر مرسوم ملكي بإنشاء “جمعية الهلال الأحمر السعودي” امتدادًا لإرث “الإسعاف الخيري”، ثم تطوّر التنظيم لاحقًا حتى أصبحت هيئة عامة مستقلة تتولى تقديم الخدمات الإسعافية والنقل الإسعافي، والاستجابة للكوارث، وتقديم الدعم الصحي والإنساني داخل المملكة وخارجها.

واليوم تتسع أدوار الهيئة لتشمل الاستعداد للكوارث والاستجابة لها، ودعم خدمات الحج والعمرة، وتدريب المجتمع على الإسعافات الأولية ونشر الوعي الصحي. ومن بضع سيارات عند محيط الحرم إلى شبكة ممتدة من المراكز والفرق الميدانية والإسعاف الجوي والرقمي، تستمر الفكرة نفسها: ألا يُترك الإنسان وحيدًا في أصعب دقائق حياته.

من حدث طارئ إلى مسار صحي

حين نتأمل يوم التأسيس، لا نسترجع فقط صور الأحياء القديمة والأسواق والملابس التراثية؛ بل نعود إلى سؤالٍ أعمق: كيف انتقلت هذه البلاد من حماية القوافل والمسافرين والحجاج، إلى حماية “الرحلة الصحية” للإنسان نفسه، من باب بيته إلى باب المستشفى؟

منذ البدايات الأولى للدولة السعودية، كانت حماية الطريق وتأمين الحرمين والمشاعر وتسهيل سبل الوصول جزءًا من هوية الدولة. ومع الزمن، توسّع هذا المعنى ليصبح تنظيمًا صحيًا وتشغيليًا أكثر تعقيدًا، يواكب احتياج الناس وتحوّلات الحياة.

واليوم لم يعد الحديث فقط عن “هل تصل سيارة إسعاف في الوقت المناسب؟”. بل أصبح عن مشاهد يومية تحتاج تنظيمًا ومسارًا واضحًا، مثل:

  • مريض يخرج من التنويم ويحتاج نقلًا آمنًا للبيت وخطة متابعة واضحة.
  • كبير سن يحتاج للفحوصات الدورية دون إنهاك الأسرة.
  • فعالية كبرى تحتاج تغطية طبية منظّمة بدل حلول مرتجلة في اللحظة الأخيرة.
  • منشأة صحية تركز على الرعاية داخل الجدران، وتحتاج شريكًا يدير ما قبل الدخول وما بعد الخروج.

هنا تتحول الرعاية من “حدث إسعافي” إلى “رحلة صحية متكاملة”، ومن خدمة طارئة منعزلة إلى بنية تربط أطراف المنظومة ببعضها: البيت، والمنشأة، ومقدّم الخدمة في مسار واحد واضح.

مسؤولية مقدّمي الخدمة اليوم: أبعد من باب المستشفى

في السابق كانت مهمة كثير من المنشآت تنتهي عند بوابة الطوارئ، أو عند لحظة خروج المريض من باب المستشفى. أما اليوم، فتوقّعات الناس تغيّرت: تقديم الرعاية داخل المستشفى فقط لم يعد كافيًا، بل المطلوب أن تكون “الخطوة التالية” واضحة ومُنسّقة. وهذا يشمل أن يصل المريض بأمان ويعود بأمان، وأن يُخفَّف عبء التنسيق عن الأسرة، وأن تُدار الرعاية المنزلية والنقل غير الطارئ كجزء من المنظومة لا كخدمة على الهامش، عبر شركاء موثوقين في النقل الطبي، والرعاية المنزلية وغيرها.

وتُظهر تجارب الأنظمة الصحية أن جزءًا من الضغط على أقسام الطوارئ لا يأتي من الحالات الحرجة فقط، بل من غياب مسارات بديلة منظّمة للحالات المستقرة أو المزمنة. هذه الحالات يمكن إدارتها عبر رعاية أولية، أو متابعة منزلية، أو نقل غير طارئ منسّق بشكل جيد. وبالنسبة للمنشآت الصحية، فإن تصميم “رحلة المريض” خارج جدران المستشفى أصبح مؤشر جودة فعليًا، لا إضافة تجميلية ولا خدمة ثانوية.

من الإسعاف الخيري إلى البنية التحتية الرقمية: أين تقف وتد الطبية؟

حين نرسم خطًا زمنيًا يبدأ من “الإسعاف الخيري” عند الحرم، ويمتد إلى هيئة الهلال الأحمر وشبكتها الحديثة، ثم يصل إلى منصات الصحة الرقمية اليوم، نلاحظ معنى مهمًا: كل مرحلة لم تُلغِ ما قبلها، بل أضافت طبقة جديدة فوقها أكثر تنظيمًا وتوسعًا.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى نماذج مثل وتد الطبية بوصفها جزءًا من “الجيل الجديد” للبنية التشغيلية والرقمية للرعاية، لأنها:

  • تربط بين البيت، والمنشأة الصحية، ومقدمي الخدمات أو "شركاء الرعاية" كما نحب أن نسمّيهم.
  • تعمل في مساحة النقل الطبي غير الطارئ، والرعاية المنزلية، وخدمات الفعاليات، بما يكمّل مسار الإسعاف الطارئ ولا يزاحمه.
  • تساعد المنشآت على تنظيم رحلة المريض خارج الجدران، وتحويلها من سلسلة مكالمات فردية متعبة إلى مسار واحد واضح يمكن متابعته وإدارته.

وللقطاع الصحي، يفتح هذا الباب أسئلة تشغيلية عملية:

  • كيف تبني المنشأة شراكات تقلّل الضغط على الطوارئ، وترفع تجربة المريض في الوقت نفسه؟
  • كيف تُوثّق كل رحلة نقل وتُحوَّل “المشاوير” إلى بيانات تُستخدم لتحسين التخطيط التشغيلي؟
  • كيف يتنافس مقدمو الخدمة على جودة الرحلة، لا على عدد الأسرّة والأجهزة فقط؟
    ومن هذا المنظور، لا تُختزل وتد الطبية في “خدمة نقل” بقدر ما هي مساهمة في تنسيق الرعاية المتكاملة في جميع مراحلها ضمن منظومة أوسع تتكامل فيها الأدوار لتقدّم للمريض وأهله تجربة واضحة وسلسة.

خيط واحد من التأسيس إلى الغد

منذ يوم التأسيس تغيّرت الأشكال كثيرًا: القافلة صارت طائرة، وبيت الشعر صار مدينة حديثة، وعربة إسعاف خيري متواضعة صارت منظومة متكاملة. لكن الخيط لم يتغيّر: أن يبقى الإنسان في قلب الحكاية، وأن تبقى حياته وسلامته مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والقطاع الصحي بكل أطرافه.

وفي كل مرة تُنقذ فيها سيارة إسعاف إنسانًا في لحظة حرجة، وفي كل مرة تُنقَل فيها حالة مزمنة بأمان من البيت إلى المستشفى، نكتب سطرًا جديدًا في القصة نفسها التي بدأت عند بابٍ من أبواب الحرم، وفي دولةٍ رأت منذ تأسيسها أن الطريق الآمن للإنسان جزء من معنى وجودها.

شارك المقال

مقالات تخفّف الحيرة وتسهّل القرار

صحتك في رمضان من مشروع 30 يوم إلى عادة واحدة
٩ فبراير ٢٠٢٦

صحتك في رمضان من مشروع 30 يوم إلى عادة واحدة

التعافي النفسي بعد الشفاء من السرطان
٢ فبراير ٢٠٢٦

التعافي النفسي بعد الشفاء من السرطان

متى جسدك يحاول تنبيهك؟
٢٦ يناير ٢٠٢٦

متى جسدك يحاول تنبيهك؟

الزكام العادي مقابل علامات الخطر: دليل هادئ بين البيت والطوارئ
٢٠ يناير ٢٠٢٦

الزكام العادي مقابل علامات الخطر: دليل هادئ بين البيت والطوارئ

كيف أقدر أساعدك؟